لبنان البلد – الساحة.. بقلم: عقل العويط

2019-09-04T13:03:35+02:00
2019-09-04T13:05:41+02:00
حرية الرأي
4 سبتمبر 2019
لبنان البلد – الساحة.. بقلم: عقل العويط
img 20190904 1402348188856398944737575 - أحفاد

المصدر: “النهار”

أسوأ ما يمكن أنْ يوصَم به لبنان، أنّه ساحة.

يمكننا جميعنا العودة قليلًا إلى القواميس، لاستذكار تعريف الساحة، والإحاطة بمعانيها، وإيحاءاتها، ودلالاتها.

في هذا المقال، سأكتفي بالتعريف الأوّليّ البسيط، بحسب “المنجد في اللغة والأعلام”: “الساحة هي ناحية. فضاءٌ بين دُور الحيّ لا بناء فيه ولا سقف”.

الساحة تكون في العادة، أرضٌ خلاء، فسيحة، مستديرة (قد تكون الشكل الأمثل)، أو مربّعة، أو مستطيلة، مفتوحة على الجهات كلّها، لتسهيل الوصول إليها، والعودة منها.

هذا يعني أنّها مكانٌ وسيطٌ وموقّتٌ، غير مسقوف. ممرٌّ. معبرٌ. أي أنّه مكانٌ هشٌّ. عرضةٌ للعوامل الطبيعيّة، وللظروف والمعطيات الموضوعيّة، الخارجة عن طبيعته ومكوّناته.

الساحة، والحال هذه، ليست مكانًا ملائمًا للإقامة الدائمة، أو للاستقرار الراسخ.

الساحة، في هذا المعنى، أي إذا وُصٍف بلدٌ بها، هي الإهانة القصوى التي يمكن أنْ يتعرّض لها بلدٌ، كهذا البلد.

بلدٌ – ساحة، يعني أنّه بلا سقف. ومَن لا سقف له، لا يلجأ إلى ساحةٍ مفتوحة الفضاء. بل يبحث عن سقف.

مَن لا سقف له، لا بلد له، ولا وطن، ولا دولة… ولا بيت.

يعني أنّ اللاسقف، ليس وطنًا، ولا دولةً.

بلدٌ – ساحة، يعني أنّه وسيلة. صندوق بريد. مستودع. يُؤتى إليه لقضاء حاجةٍ، أو لتنفيذ أمر.

بلدٌ – ساحة، يعني أنّ الناس الذين يقيمون فيه، أو يقصدونه من مكانٍ آخر، لا يلتقون فيه إلّا باعتباره ساحةً. منفعة.

الساحة مكانٌ تقنيٌّ مثاليٌّ، جغرافيٌّ واقعيٌّ موضوعيٌّ للتنقلّ من إلى، ولعرض البضاعة (فتيات الهوى وفتيانه، اللحوم على أنواعها، البطاطا، البصل، المجوهرات، الأدوية، الناس، المرتزقة…). للبيع والشراء. لتصريف الأموال. لتبييضها. للمواجهة. للقتال. للتفريج عن كربة. لتفريغ المكبوت. للدبكة. للطبل والزمر. للاحتفالات…

ولكنّها ليست للإقامة.

الإقامة تتطلّب الرجوع إلى. في الإقامة انجلاء العقل والقلب. الثبات. الأمان. الرويّة. الهدوء. التأمّل. الالتجاء إلى الذات. الحلم. الطمأنينة. القدرة على التفكير والإنتاج والتفاعل الطويل الأمد و… الخلق.

أنظروا في كيفيّة التعبير عن لبنان في كلّ القواميس المحلّيّة والإقليميّة والدوليّة، وفي شتّى المجالات، وبلا استثناء: إنّه البلد الساحة.

هاكم أمثلةً على ذلك: الساحة السياسيّة، الساحة الاجتماعيّة، الساحة الأمنيّة، الساحة الاقتصاديّة، الساحة العلميّة، الساحة التعليميّة، الساحة الفكريّة، الساحة التربويّة، الساحة الأدبيّة (الشعريّة، الروائيّة، النقديّة!)، الساحة الفنّيّة، الساحة الثقافيّة، والساحة الإعلاميّة…

وبعد، ماذا يبقى من لبنان كبلد، كدولة، كوطن، إذا كان ساحةً؟

لا شيء تقريبًا.

ما جرى خلال الأسبوع اللبنانيّ الأخير، يمكن اعتباره المثل الرمزيّ، الناصع التعريف والمعنى والدلالة:

مسيَّرتان إسرائيليّتان تخترقان السيادة اللبنانيّة في اغتصابٍ علنيٍّ لها (كما في كلّ يوم وساعة، وعلى مدار الوقت)، وتسقطان في الضاحية، ضاحية بيروت الجنوبيّة؛ ذهولٌ ووجومٌ وترقّبٌ وتفرُّجٌ من أعلى الهرم الرسميّ إلى أسفله، في انتظار كلمةٍ مسائيّةٍ حملت الموقف والقرار. نعم سنردّ. ثمّ جاء الردّ ميدانيًّا بعد أيّام، مدروسًا بما يتناسب مع مصالح مالئي الساحة اللبنانيّة، وفي غياب مَن يُفترض أنْ يكون سيّد الساحة. صاروخٌ موجَّهٌ (غير رسميّ وغير دولتيّ) يُطلَق من لبنان، في انتهاكٍ واضحٍ لمفهوم السيادة، وعلى مرأى منها، وبعلمٍ منها، وبإشرافٍ (رضا؟!) دقيقٍ ومتوازنٍ من المجتمعَين الإقليميّ والدوليّ، في اتجاه الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة، لينفجر في عربةٍ صهيونيّةٍ مدرّعة.

خاتمة هذا المقال، إنّه ساحة.

إنّه لبنان. لبنان البلد – الساحة!