لماذا يرفض اللاجئ الفلسطيني في لبنان إجازة العمل؟

2019-08-11T08:21:39+02:00
2019-08-11T08:26:32+02:00
الشتاتحرية الرأي
11 أغسطس 2019
لماذا يرفض اللاجئ الفلسطيني في لبنان إجازة العمل؟

تحت عنوان “لماذا يرفض اللاجئ الفلسطيني في لبنان إجازة العمل؟”، كتب عضو المجلسين الوطني والمركزي الفلسطيني هيثم زعيتر في جريدة “الشرق الأوسط”:

قبل نحو شهر، خرجت احتجاجات فلسطينية في لبنان على قرار وزارة العمل بإلزام العمال الفلسطينيين بالحصول على إجازة عمل، أسوة بالعمال الأجانب، وذلك في معرض خطة أرادت الوزارة منها تفعيل قانون العمل اللبناني الذي لم يطبق، خلال السنوات الماضية، بحسب ما يقول وزير العمل كميل أبو سليمان.

خرجت المظاهرات، وقاطعت المخيمات المنتجات اللبنانية على سبيل الضغط على الحكومة اللبنانية للعودة عن القرار، وكالعادة انقسم أركان الحكم على أساس طائفي، إذ دعمت معظم الأحزاب المسيحية قرار وزارة العمل، ودعت إلى “لبننة العمالة” في سوق العمل، لتقليص نسبة البطالة بين اللبنانيين وزيادة مردود مالي إلى خزينة الدولة من رسوم إجازات العمل. أما أكثرية القيادات المسلمة فطالبت باستثناء الفلسطينيين من تلك الإجراءات، عملاً بمبدأ أن هؤلاء معدومو الخيارات، ويجب أن يحصلوا على أدنى حقوقهم بالعمل، في ظل أفق سياسي مسدود لحل القضية الفلسطينية وتحقيق “حق العودة”.

والواقع أن الطرفين اللبنانيين، المسلمين والمسيحيين، لهم هواجسهم التي انطلقوا منها في التعامل مع ملف العمالة الفلسطينية. فالمسيحيون يتوجسون من أن يكون منح الفلسطينيين (والسوريين استطراداً) حق العمل أسوة باللبنانيين، تمهيداً ضمنياً لبقائهم، كون الاكتفاء المادي يمنحهم استقراراً في بلد يجب أن يكونوا فيه لاجئين مؤقتين. وبالتالي، سيكون ذلك توطيناً مقنعاً في بلد يغصّ بعدد سكانه وتتضاءل موارده، ويختل الميزان الديموغرافي فيه بين المسلمين والمسيحيين.

أما المسلمون، فيتوجسون من أن تكون هذه القرارات بمثابة ضغوط على الفلسطينيين للهجرة، وتضييقاً عليهم، مما يزيد من شتات الفلسطينيين ويبعثرهم، مما يفقدهم الثقل الديموغرافي الكافي للضغط على المجتمع الدولي بـ”حق العودة”.

من هنا، اندلعت الأزمة، وتمثل الانقسام في فريقين، يقدم كل منهما هنا وجهة نظره في صفحة “قضايا”.

يُعاني الفلسطيني بشكل عام من ظروف مُختلفة عن شعوب العالم أجمع، فهو لا يزال يرزح تحت نير الاحتلال الإسرائيلي لأرضه، ليكون الأطول منذ 71 عاماً.

ونتج عن هذا الاحتلال تشريد أعداد كبيرة من اللاجئين داخل المناطق الفلسطينية، أو إلى دول الجوار: لبنان، سوريا، الأردن ومصر، فضلاً عن أصقاع المعمورة.

يعيش اللاجئون الفلسطينيون تحت وطأة ضنك العيش، والظروف المعيشية والسياسية والقوانين التي تتفاوت بين بلد وآخر.

تزيد هذه المعاناة مع العجز الذي تُواجهه وكالة “الأونروا”، المُستهدفة بإلغائها لشطب القضية الفلسطينية، وفي الطليعة قضية اللاجئين.

يُدرك الفلسطينيون أنّ مُؤامرة إنهاء القضية مُستمرة، ولن تُمرّر الإدارة الأميركية والكيان الإسرائيلي إفشال “صفقة القرن” مُرور الكرام، دون تدفيع الفلسطيني الثمن، كما لبنان، الذي أيّد الرفض الفلسطيني للصفقة.

يبرز في صدارة اللاجئين مَنْ اضطرَّ للنزوح إلى لبنان إثر نكبة عام 1948. والذين تمَّ إحصاؤهم في عام 1950 فبلغ عددهم 127600.

لكن بقيت أعداد الإحصاءات تتفاوت، حيث تشير إحصاءات وكالة “الأونروا” لعام 2017 إلى أنّ العدد هو 463664. فيما مديرية الشؤون السياسية للاجئين في الجمهورية اللبنانية، حدّدت أنّ عددهم هو 592711، بينما التعداد الذي جرى حتى كانون الأول 2017. عبر شراكة بين “إدارة الإحصاء المركزي اللبناني” و”الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني”، تحت مظلّة “لجنة الحوار اللبناني – الفلسطيني” بتكليف من رئاسة مجلس الوزراء، أحصى 174422.

تباين الأعداد يدل على عدم وضوح الرؤية لجهة إحصاء اللاجئين من قِبل جهات مُعتمدة، فكيف الحال بشأن القضايا التفصيلية المُتعلّقة بالوجود الفلسطيني في لبنان؟

لذلك، فإنّ الهواجس والحذر لدى اللاجئين الفلسطينيين ترتبط بركيزتين:

1 – الواجبات: يلتزم بها اللاجئ الفلسطيني، ومطلوب منه إثبات براءته من اتهام دائم.

2 – الحقوق: محروم من كثير منها، تذرّعاً بمبدأ المُعاملة بالمثل بين الدول، وقد تمَّ تدارك بعض ما يتعلّق باستثناء الفلسطيني من ذلك، وفقاً لما نصّ عليه عدد من البروتوكولات.

المُؤسف أنّ التعامل مع الملف الفلسطيني هو وفق النظرة الأمنية، فأثبت أنّه لا يُوجد للفلسطيني أي مشروع، لا سياسياً ولا أمنياً في لبنان، بل تصدّى للإرهاب بكل أشكاله وبشهادة المسؤولين والقوى اللبنانية، ولعل تضحية الشاب الفلسطيني صابر ناصر مراد بنفسه، بالتصدّي للإرهابي عبد الرحمن مبسوط، عشية عيد الفطر المبارك في طرابلس، مساء الاثنين 3 – 6 – 2019. خير دليل.

أمام ذلك، مطلوب التعامل مع الملف الفلسطيني رُزمة مُتكاملة شاملة، بصراحة ووضوح.

برز في الآونة الأخيرة مع بدء تنفيذ وزارة العمل اللبنانية خطة تنظيم العمالة الأجنبية في لبنان من 10-7-2019. إجراءات استهدفت عمل اللاجئين الفلسطينيين، وإقفال مؤسّستين إحداهما هي “مؤسّسة عارف للسيراميك” التي يملكها الشاب الفلسطيني زياد عارف في بلدة ضهر العين في قضاء الكورة (شمالي لبنان)، مما أثار حراكاً جماهيرياً سلمياً داخل المُخيّمات والتجمّعات الفلسطينية، وتضامناً في مدن رئيسية لبنانية.

هذا الحراك وعناوينه، طرح أهمية تحديد توصيف وضع الفلسطينيين في لبنان: أهم أجانب أم لاجئون؟

– إنْ كانوا أجانب، فيجب عدم حرمانهم من حق التملّك، الذي يتمتّع به الأجنبي!

– إنْ كانوا لاجئين، فيجب عدم حرمانهم من حق العمل، الذي أقرّته وكفلته الأعراف والمواثيق الدولية!

المُستغرب هو الإصرار على أنْ يحصل الفلسطيني على إجازة عمل، وإنْ تغيّرت شروط الحصول عليها، ما يُثير الهواجس، لأنّه في أي دولة لا يحتاج المُواطن إلى إجازة عمل، فهو يحمل جنسيتها.

وفي دول العالم، فإنّ الحصول على إقامة، كفيل بمُزاولة العمل، ويكون مُرتبطاً بمدّة صلاحيتها، واللاجئ الفلسطيني يحمل بطاقة هوية صادرة عن وزارة الداخلية – مديرية الشؤون السياسية، والتي تُعتبر إقامة له، ما ينفي عن الفلسطيني صفة الأجنبي، لأنّ القانون نصَّ على اشتراط حصول الأجنبي على إقامة أو تأشيرة دخول.

بالتالي فإنّ الفلسطيني ليس بحاجة لإجازة عمل.

كما أنّ تحديد الحاجة إلى العمل، يتطلّب دراسة حاجة السوق، والدورة الاقتصادية للاجئ الفلسطيني هي دائمة داخل لبنان، وما يُنتجه يصرفه، ولا يرسله إلى الخارج، بل إنّ أفراد العائلة يكدّون في لهيب الشمس وصقيع البرد، ويحوّلون أموالاً إلى عائلاتهم في لبنان، مما يُشكّل مورداً يُساهم بإنعاش الاقتصاد اللبناني.

ويبقى الحصول على إجازة العمل مشروطاً بـ:

– مهن مُحدّدة، ولمدّة مُحدّدة، وفقاً لحاجة السوق.

– إنّ المستندات المطلوبة والرسوم من الممكن أنْ تتغيّر وفق قرارات من الوزير، وحسب الاستنسابية، وإنْ كانت الآن مُعفاة من الرسوم، فمَنْ يضمن غداً تحديد رسوم، لا يدري أحد قيمتها.

– إنّ مُدّة صلاحية الإجازة مُحدّدة بفترة عامين، ويُمكن تعديل صلاحيتها حتى 3 أو 5 أعوام، وتجديدها دورياً، وفق حاجة السوق، فمَنْ يضمن التجديد؟

– إنّ منحها وفق مهنة مُحدّدة، ويُحذّر الحاصل على الإجازة، العمل بمهنة أخرى، أو مؤسّسة أخرى، والطبيب والمهندس الفلسطيني في لبنان يعمل سائقاً أو بائعاً!

– تجديد إجازة العمل مُرتبط بالتسجيل في الضمان الصحي، ما يتوجب دفع ما نسبته 25.5 في المائة من قيمة الراتب، علماً بأنّه لا يحصل إلا على 8.5 في المائة هو تعويض نهاية الخدمة، مما يؤدي إلى عدم تصريح رب العمل عن العامل الفلسطيني.

– ضرورة الحصول على عقد عمل بين رب العمل والعامل.

– أما رب العمل الفلسطيني، فعليه إيداع مبلغ 60 ألف دولار أميركي في المصرف.

– توظيف 75 في المائة من العمال اللبنانيين مُقابل عامل أجنبي.

– عدم تمكّن رب العمل الفلسطيني من التقدّم للحصول على قروض من المصارف، التي لا تُوافق على فتح اعتمادات لمَنْ تقترب مدّة انتهاء صلاحية إجازته.

– إنْ كانت إجازة العمل معفاة من الرسوم، لكن من أجل الحصول عليها، قد يتكبّد طالبها “إكراميات”، أو دخول وسطاء يُطالبون بمبالغ مالية مُرتفعة!

خلال الاجتماع بين وزير العمل الدكتور كميل أبو سليمان وسفير دولة فلسطين لدى لبنان أشرف دبور، وبحضور رئيس “لجنة الحوار اللبناني – الفلسطيني” الوزير السابق الدكتور حسن منيمنة، الذي عُقِدَ يوم الاثنين في 15 – 7 – 2019 – وشاركتُ بحضوره – قدّم الوزير أبو سليمان الكثير من التسهيلات لجهة:

– إعفاء رب العمل الفلسطيني من إيداع مبلغ في المصرف.

– إلغاء اشتراط تشغيل 75 في المائة من العمال اللبنانيين.

– عدم ارتباط التسجيل في الضمان الصحي، للحصول على إجازة العمل.

لكن الموقف الفلسطيني كان واضحاً، رفض إجازة العمل، لأنّ الفلسطيني ليس أجنبياً.

أمام ذلك، فإنّ مُعالجة الأمر، تتوزّع على مراحل: منها ما هو سريع، وأخرى في مجلسي الوزراء والنوّاب.

* بشأن الخطوات السريعة، قام الوزير أبو سليمان بإجراءات داخلية، بالإيعاز إلى المُفتشين في الوزارة، بعدم إقفال أي مُؤسّسة يملكها فلسطيني، أو توقيف العمال الفلسطينيين عن العمل.

* أما الخطوات المُرتقبة، فهي كما جرى الإعلان خلال جلسة مجلس النواب بين الرئيسين نبيه بري وسعد الحريري، بإحالة الملف على مجلس الوزراء، لاتخاذ المُقتضى.

ولأنّ الفرقاء اللبنانيين كانوا يُطالبون بإجازة عمل، وإنْ كانت مُعفاة من الرسوم، وهو ما أُقر في الفقرة 3 من المادة 59 من القانون 129 الصادر بتاريخ 24 – 8 – 2010. والذي نصَّ على أنّ “يُعفى من رسوم إجازة العمل اللاجئون الفلسطينيون” – أي أنّهم أعفوا من الرسوم وليس من الإجازة، وإلغاء هذه المادة بحاجة إلى تعديل القانون من خلال التقدّم بذلك إلى المجلس النيابي، وباتت صيغته جاهزة… كذلك تعديل قانون الضمان الاجتماعي رقم 128.

وبانتظار ذلك، فإنّ الحوار مُتواصل، ومحوره: الرئيس بري، الرئيس الحريري، الوزير أبو سليمان، رئيسة “كتلة المستقبل النيابية” النائبة بهية الحريري، المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم، الوزير السابق منيمنة والسفير دبور.

كما أنّ الحراك السلمي المطلبي مُتواصل، حيث أفشلت الجهود الفلسطينية – اللبنانية أكثر من مُخطّط توتيري، ومنها تحويل وجهة الحراك السلمي في مخيّم عين الحلوة عن المطالبة بإقرار الحقوق الفلسطينية إلى استهداف الجيش اللبناني، وأيضاً العمل الإرهابي، الذي قام به بلال العرقوب ومجموعته باغتيال الشاب حسين جمال علاء الدين “الخميني”، بعد مُشاركته في “جمعة الغضب” الثالثة بتاريخ 2 – 8 – 2019 وما أعقبها من تصفية بلال العرقوب واعتقال نجليه يوسف وأسامة وتسليمهما إلى مخابرات الجيش اللبناني.

ومنعاً لاستغلال الورقة الفلسطينية في التجاذبات الداخلية اللبنانية، والتي يكون ضحيتها الفلسطيني، فإنّ الضرورة أصبحت مُلحة إلى إطلاق حوار لبناني – فلسطيني لمُناقشة الحقوق الفلسطينية والمعيشية والمدنية، وحق العمل والتملك بما يؤدي إلى:

– إلغاء الحصول على إجازة العمل.

– تعديل الفقرة الثانية من المادة الأولى من القانون 296 الذي أقر في مجلس النواب بتاريخ 21-3-2001. والذي استثنى اللاجئين الفلسطينيين في لبنان من شروط الملكية العقارية المُطبقة على سائر الرعايا العرب، بذريعة رفض التوطين.

– السماح للفلسطيني بإنشاء الجمعيات والانتساب إليها وإلى النقابات.

– الاستفادة من خدمات يدفعها اللاجئون الفلسطينيون كضرائب ورسوم إلى الخزينة اللبنانية، ولا يستفيدون منها.

– الالتزام بـ”بروتوكول الدار البيضاء” لعام 1965، الذي صادق لبنان على معظم بنوده، وينص على استثناء مُعاملة الفلسطينيين في الدول العربية التي يُقيمون فيها وتيسير فرص العمل لهم مع احتفاظهم بالجنسية الفلسطينية، لأنّ الفلسطيني يرفض التوطين أو التهجير – خاصة أنّ هناك مَنْ عاد إلى فتح أبواب الهجرة – ويتمسّك بالعودة إلى أرض وطنه، وبانتظار ذلك أنْ يعيش بكرامة.